ابن الجوزي
117
بستان الواعظين ورياض السامعين
[ 196 ] النجاة في ذكر اللّه روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ليس شيء أنجى للمؤمن من عذاب اللّه من ذكر اللّه ، وأكثر ما يجد المؤمن في صحيفته يوم القيامة الاستغفار في الليل والنهار » فكل من كان في الدنيا من قراءة كتابه خائفا مشفقا ، كان اللّه تبارك وتعالى به عند قراءته إياه رحيما مرفقا . ومن كان في الدنيا من الغافلين ، كان ( عند ) قراءته من النادمين . فلو رأيتم يا أهل الذنوب ما قد أثبت عليكم في الديوان ، من الخطايا والعصيان ، والزور والبهتان ، والزيادة والنقصان ، والغفلة والنسيان ، لعظمت منكم المصائب ، وكثرت منكم النوائب ، ولسارعتم إلى الثواب والرغائب ، ولثبتم إلى رب المشارق والمغارب . وأنشدوا : ما بال عينك لا تبكي لما سلفا * ذكر الذنوب وخوف النار والتلفا يا أيها المذنب المحصى جرائمه * لا تنس ذنبك وأذكر منه ما سلفا من الذنوب التي لم تبل جدّتها * كيف تبلى وقد أودعتها صحفا أما تخاف أما تخشى فضائحها * إذا الغطاء انجلى عنهن وانكشفا اعلموا معاشر المذنبين لو أن اللّه تعالى اطلع بعضنا على صحائف بعض ، وكشف له ما فيها من الذنوب لكان الناس يشتغلون عن معايشهم بتعيير بعضهم لبعض ، ولعنة بعضهم لبعض فإنا للّه وإنا إليه راجعون . [ 197 ] حكاية عن رقة بن واسع حكي عن محمد بن واسع رحمه اللّه أنه ما رآه أحد قط ضاحكا ، وإن كان ليبكي حتى ترحمه الناس ، فذكر له ذلك فقال : يا أحبائي وكيف يضحك من لا يدري ما أثبت عليه في كتابه ولا يدري بما يختم له . اللهم اختم لنا بخير . وكان رجل يكلم محمد بن واسع في حاجة فقال له محمد بن واسع : أدن مني فلو كانت للذنوب رائحة لما قدرت أن تدنو مني . فيا معشر المذنبين مثلي ونفسي أعني وكلنا مذنب لا تغتروا بستر اللّه تعالى عليكم فإن له يوما يهتك فيه الأستار ويحاسب عباده على ما عملوا في الليل والنهار ، فقوم إلى الجنة وقوم إلى النار . فالخير والشر قد حصل عليكم في الكتاب ، الذي يوضع لكم يوم العرض والحساب ، بين يدي رب الأرباب ، قال الملك الوهّاب : وَوُضِعَ